أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

218

التوحيد

فكيف غلب تمني عدوه على إرادته ؟ وقوله : يقدر ويقهر ، وهذا النوع إنما هو أثر الحيرة والوحشة ، ولا يجوز الإيمان بالقسر بوجه . ثم قال : فإن قيل : هل رأيت حكيما يقدر على منع عبده عن أمر لا يريده ولا يمنعه ؟ فعارض بالجبر ، وذا خطأ ؛ لأنه عندنا يريده ، وليس المنع من شرط ما يراد . ثم قال : فإنه يعد لوجهين لا يريده ولا يجوز له المنع لضرب من التدبير . قال الشيخ رحمه اللّه : إن كنت على الشاهد تقدره فلا تجده ، إلا أن لا يقدر عليه أو هو لم يرد الفعل به . قال : ومنها ما يجب المنع ، فدل أن المنع إن وجب وجب لعلّة لا لعينه ، وما يذكر من العلة فإن كانت أوجبت الاضطرار ، فهو الذي قيل لا يقدر عليه ، وإن كان لا يوجب ، وقد يملك القهر لا بالتعدي ، فهو لا يسعه عندنا ، وهو خارج من العرف ، ولا قوة إلّا باللّه . وقال في جواب ما عورض بقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ [ الأنعام : 125 ] أن تأويله معروف وهو أن من أطاعه أتاه من لطائفه ما لا يقدر عليه غيره وسماه بالأسماء الشريفة وحكم له بالأحكام الرفيعة ثوابا لطاعته ليزداد له الرغبة كقوله : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [ محمد : 17 ] ، ومن عصاه منع منه ما ذكر فيضيق صدره كما وصف ، ولا يفعل بأحد ذلك ابتداء كالآية التي ذكرتها . وقوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [ البقرة : 26 ] ، ثم قال : فلا يجوز ذلك ابتداء من غير استحقاق العداوة والولاية لأمرين : أحدهما أن ليس به هوادة ولا محاباة ، والثاني أن من يفرق عبيده بالحرف لم يكن له العود باللوم منهم على أحد . قال الشيخ رحمه اللّه : أما ما ادّعى على الآية أنها معروفة فهذا يدل على جهله بالمعروف والمنكر وقلبه القصة ، ثم أخطأ في صرف الآية إلى ما بعد الإسلام المعروف من النطق ، لأنه قال : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [ الأنعام : 125 ] فأثبت له الإسلام إذ شرح صدره لا أن شرح بعد أن وجد منه الإسلام ، ثم أعظم منه جرأته على اللّه أن مثل هذا يكون هوادة ومناجاة وما كان عليه إذ علم من صفته جرأته هذه في خاصّ نفسه أن لا يبدي ذلك ولا يعارض نفسه بما لا يضطر إليه ، لكنه عوقب بجهله باللّه وصرفه كناية عن جهته طلبا لإقامة مذهب هو ينتج الزندقة ، فنعوذ باللّه من الخذلان . ثم يقال : من أسلم وقت إسلامه أسلم وقلبه مشروح له ، ووقت كفره قلبه ضيق ، أو هما واحد في الشرح والضيق . فإن قال : كانا واحدا ، ظهر كذبه عند كل من يحفظ ابتداء دينه من إسلام أو كفر ، ثم يسمى ما يعلم كذبه كل مسلم وكافر من اللّه هواده مرة ومحاباة ، بائنا وصدا عن الحق ومنعا ليعلموا جرأته وسفهه ، ولا قوة إلّا باللّه .